القاضي النعمان المغربي

56

تأويل الدعائم

وأما تأويل قوله ويلف على يده خرقة فذلك مما قدمنا ذكره من تركه البحث عن عوراته فلا ينبغي ذلك بشيء يصل به إليه من حواسه ، واللمس أحد الحواس ، ولذلك جعل الخرقة على يده وكذلك يلزم في ظاهر الأمر أن لا ينظر الرجل إلى عورة غيره ولا يلمسها بيده إلا لضرورة توجب ذلك . ويتلو ذلك قوله عليه السلام أنه ما سقط من الميت من شعر أو لحم أو عظم أو غير ذلك جعل في كفنه ودفن معه فهذا هو الواجب في الظاهر ، وتأويله في الباطن أنه ما سقط عن المنقول في درجات دعوة الحق من ظاهر دينه عرّف به وأمر بحفظه وجمع إلى ما عنده من الظاهر وأرقى كذلك إلى ما يرقى إليه من حدود الدعوة بعد أن يكمل له ظاهر دينه . ويتلو ذلك ذكر الحنوط والكفن : قد ذكرنا فيما تقدم أن تأويل الحنوط وهو طيب الميت ما يعامل به المنقول في درجات الإيمان من العلم الّذي يوجبه الحد الّذي نقل إليه مما لم يكن قبل ذلك اطلع عليه فيسر به وتطيب نفسه بما صار إليه منه والكفن ظاهر المنقول إلى الدرجة التي مثلها مثل الدفن في القبور وسيأتي ذكرها بعد هذا إن شاء اللّه ؛ فهذه جملة القول في الحنوط والكفن . ويتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال إذا فرغ من غسل الميت نشف في ثوب وجعل الكافور والحنوط في مواضع سجوده : جبهته وأنفه وكفيه وركبتيه وظاهر رجليه ويجعل ذلك في مسامعه وفي فمه وفي لحيته وعلى صدره . قال وحنوط الرجل والمرأة سواء فهذا في الظاهر كذلك يستعمل في الموتى بعد غسلهم . وتأويل ذلك في الباطن أن معنى تنشيف الميت بعد غسله هو ما تقدم القول به من أن مثل الماء مثل العلم الحقيقي الّذي يعامل المؤمن به في ارتقائه في درجات دعوة الحق ، ذلك ما يؤخذ عليه في كتمانه وستره وأن لا يظهر منه شيئا ، فذلك معنى تنشيف الميت إذا غسل ، والحي كذلك يتنشف إذا تطهر وذلك مثله في الباطن مثل الكتمان الّذي أخذ عليه فيه فلا يظهر شيئا مما ألقى من العلم إليه ؛ وأما الحنوط والطيب الّذي يطيب به الميت وتصيير ذلك في مواضع السجود ، فقد ذكرنا أنه الّذي يفاتح به من العلم مما لم يكن قبل ذلك علمه فتطيب به نفسه ويسرّ به ، وأما تأويل تصيير ذلك في مواضع السجود فقد ذكرنا أن السجود مثله في الباطن مثل طاعة الناطق وهو الرسول